محمد علي سلامة

34

منهج الفرقان في علوم القرآن

لإنزال القرآن مفرقا وهي قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم له على الناس على مكث وقد اشتملت هذه الحكمة العظيمة على مصالح عظيمة للعباد وهي : ( أولا ) انتزاع العقائد الفاسدة والعادات الضارة من نفوسهم شيئا فشيئا لما كان متأصلا في نفوسهم من عبادة الأوثان والاستقسام بالأنصاب والأزلام ووأد البنات ونكاح نساء الآباء وإكراه الفتيات على البغاء وقتل الأولاد خشية الإملاق وشن الحروب والغارات لأوهى الأسباب والتعامل بالربا وفشو الزنا وشرب الخمور وغير ذلك من الأخلاق السيئة . فنزل القرآن على التدريج ليكون ذلك ملائما للطبائع البشرية التي يشق عليها ترك ما تعودته دفعة واحدة لذلك خاطبهم أولا بإصلاح العقيدة وبتوحيد اللّه حتى إذا أقروا بوجود اللّه ووحدوه خاطبهم بما ينهى عنه الإله وبما يأمر به . ( ثانيا ) التدرج في نشر العقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة والأحكام التي بها تصح العبادة والمعاملة . ( ثالثا ) تفهم القرآن وتدبر معانيه والوقوف على أسراره ودقائقه حتى يتمكنوا من العمل به على الوجه الأتم الأكمل فتتربى في الأمة القوتان النظرية والعملية ولذا ورد عن ابن مسعود أنه قال « كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن » . ( رابعا ) تيسير حفظه على المسلمين فإنهم قد ابتلوا في حياة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالاضطهاد والأذى من كفار قريش قبل الهجرة حتى اضطر كثير منهم إلى ترك أهله وماله ووطنه فرارا بدينه ، وبعد الهجرة ابتلوا كثيرا بمعاداة اليهود والمنافقين وبالحروب التي قامت بينهم وبين قريش وكانت سببا في تمكين الإسلام ونشره . فلو أن القرآن نزل جملة واحدة لما وسعهم حفظه مع هذه الأحوال التي يعتبر حفظهم للقرآن مع نزوله مفرقا وقيامها من أعظم الأدلة على تصديق وعد اللّه في قوله إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 1 » فانظر إلى هذه الحكمة التي ذكرها اللّه تعالى بقوله لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ قد انتظمت أربع حكم

--> ( 1 ) - سورة الحجر ( الآية 9 )